ممثل المرجعية العليا في أوربا يشارك في المؤتمر الثامن حول تراث الأمام الصادق عليه السلام في ستوكهولم

0
326

27 شوال 1438هـ


شارك ممثل المرجعية العليا في أوربا سماحة السيد مرتضى الكشميري في المؤتمر الثامن حول تراث الامام الصادق عليه السلام في العاصمة السويدية ستوكهولم المنعقد تحت شعار ( التراث الروحي والمعرفي للامام الصادق عليه السلام ) وفي ما يلي نص كلمته .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .

بمناسبة ذكرى وفاة الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ينعقد هذا المؤتمر إحياءً لذكره ومحاولة للاستضاءَة بنور علمه نقف بين يدي هذا الإمام الذي ذاع صيته في الآفاق حتى نُسب المذهب الإمامي إليه ، وكان المعيار في صدق الانتماء إليه ، فعن أبان بن تغلب أنه قال (الشيعة الذين اذا اختلف الناس عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أخذوا بقول علي (عليه السلام) واذا اختلف الناس عن علي (عليه السلام) أخذوا بقول جعفربن محمد (عليه السلام).

ولا نريد الدخول الى شخصية هذا الإمام – ونحن نريد إحياء ذكره- من زاوية علمه ، فذلك أمر سارت به الركبان ولم يعد خافياً عن العيان ، واعترف به المخالف قبل المؤالف ، فهذا عَمْرو بن عُبيد البصري – شيخ المعتزلة في عصره ومفتيها – يدخل عليه ويسلّم ويجلس ثمّ يتلو قول الله تعالى ((الذين يجتنبون كبائر الإثم)) ويمسك . فقال له الإمام أبوعبد الله (عليه السلام) : ما أسكتك ؟ فقال : اُحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزّوجل . فقال له الإمام (عليه السلام) : نعم يا عَمْرو ، أكبر الكبائر الشرك بالله ……… وأخذ يعدد له الكبائر من كتاب الله تعالى حتى انتهى . فخرج عَمْرو بن عُبيد وله صراخ من بكائه وهو يقول : هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم .

وهذا عبد الله بن المبارك – الذي وصفوه بشيخ الإسلام في عصره وأنه جمع الحديث والفقه والعربية وكان مرجعاً للفقهاء عند اختلافهم في خراسان – يخاطب الإمام بقوله : أنت يا جعفر فوق المدح والمدح عناء فاق حدَّ الوصف مَن قد ولدته الأنبياء إنما الأشراف أرض ولهم أنت سماء. وهذا أبان بن تغلب الذي بلغ من المعرفة بعلوم الدين مبلغ الإفتاء ما منعه ذلك من التلمّذ على يد الإمام (عليه السلام) فلمّا عيب عليه ذلك قال (كيف تلومونني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلّا وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله كذا وكذا . وهذا الحسن بن علي الوشّاء يقول : إني أدركتُ في هذا المسجد – وأشار إلى مسجد الكوفة – تسع ماءَة شيخ كلٌ يقول حدثني جعفر بن محمد. فالحديث عن علم الإمام من نافلة الكلام .

كما لا نريد الدخول إلى شخصية الإمام من ناحية عبادته وفضائله وكمالاته الاُخرى ، فذلك أيضاً رواه الفريقان واتفق عليه الطرفان ، فهذا مالك بن أنس فقيه المدينة يقول : كنتُ أدخل على الصادق جعفر بن محمد ، فكان لايخلو من إحدى ثلاث خصال إمّا صائماً وإمّا قائماً وإمّا ذاكراً ، وكان من عظماء العبّاد وأكابر الزهّاد الذين يخشَون الله عزّوجل ، وكان كثير الحديث طيّب المجالسة كثير الفوائد ، فإذا قال (قال رسول الله) اخضرَّ مرّة و اصفرَّ اُخرى حتى يُنكِرُه من يعرفه … الى آخر كلامه .

لا نريد الدخول إلى حياة هذا الإمام من هذه الجهات والنواحي ، وإنما علينا الدخول الى شخصيته من ناحية مقام الإمامة ، هذا المقام الإلهي الذي لم ينله سيدنا إبراهيم الخليل إلّا بعدما اجتاز مراحل العبودية والنبوة والرسالة والخلّة ، إذ أن الله تعالى بعد كل ذلك جعله للناس إماماً ، لذا عظُم هذا المقام في عين سيدنا إبراهيم ومن عِظَمه في عينه طلبه لذريته وقال ((ومن ذرّيتي)).

هذا ما يجب أن نقف عنده إن أردنا دراسة حياة الإمام الصادق (عليه السلام) ، هذا هو البُعد الذي يعنينا من حياته ، نحن لسنا بين يدَي علماء أبرار مجتهدين كسائر مَن تعلّم وجدّ واجتهد – كما يصوّر ذلك بعضُ من بخسهم حقَّهم – وإنّما نحن بين يدَي أئمة أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، نحن بين يدَي بيوتٍ أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه ، نحن بين يدَي من خلقهم الله أنواراً فجعلهم بعرشه محدقين حتى منّ بهم علينا ، نحن بين يدَي من إذا زرناه قلنا (أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة) وقلنا (أشهد أنك تشهد مقامي وتسمع كلامي وأنك حيٌ عند ربك تُرزَق) يجب أن نلوي عنان الفكر والتأمل للوقوف على هذه الكلمات العظيمة ونعرف مقام الإمامة من خلالها ومن خلال الروايات لنطلع على مكامن العظمة فيه التي اقتضاها منصب الإمامة ، فهذا المنصب لا يُجعل إلّا لمن اصطفاه الله عيَبةً لعلمه و عزائم أمره ، فعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) (إنّ الله لا يجعل حجةً في أرضه يُسأل عن شيء فيقول لا أدري) و ورد عنهم (عليه السلام) (الله أجلّ وأكرم من أن يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه) فذلك مما تتطلبه الهداية التي هي أول مزايا الإمام ((وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا)) وقال تعالى(أفمن يهدي إلى الحق أحقُّ أن يُتّبَع أم مَن لا يَهدّي إلّا أن يُهدى) ومن مزاياه أنه شاهد على الاُمّة في عصره (فكيف إذا جئنا من كل اُمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً)( فقد ورد عنهم (عليه السلام) (في كل قرن إمام منّا شاهدٌ عليهم) ومن مزايا الإمام أنه وارث الكتاب (ثمّ أورثنا الكتابَ الذين اصطفينا من عبادنا) فقدقال أميرالمؤمنين (عليه السلام) فنحن ورثنا هذا القرآن الذي فيه مايُسيّر به الجبال و قُطّعت به البلدان ويُحيى به الموتى . نحن نشهد للإمام أنه وارث أدم صفوة الله ووارث نوح نبي الله ووارث إبراهيم خليل الله ووارث موسى كليم الله و وارث عيسى روح الله و وارث محمد حبيب الله . نحن بين يدَي من نخاطبه إذا زرناه (السلام عليك يا أمين الله في أرضه وحجته على عباده) يجب الدخول الى شخصية الإمام من هذا المنطلَق.

هذا ما يجب أن نعرفه عن الإمام الصادق (عليه السلام) وهذا ما يميّز إمام الهدى عن غيره ، فهو (أمين الله في أرضه) أيّ مقام هذا ؟ وهل لنا الوصول الى كنهه أو الإلمام بجوانبه ؟!!! إلّا رشحات و ومضات جادت بها النصوص من الكتاب والسنّة . وهو (حجّته على عباده) هذا ما يجب أن نقف عنده ونفهم شخصية الإمام الصادق (عليه السلام) من خلاله ، لنعرف زيف وضلال من طلب الهداية من غير طريقهم ، وقد قال (عليه السلام) للمفضّل بن عُمَر (بلية الناس بنا عظيمة ، إن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا ، وإن دعوناهم لم يجيبونا) . إنّ الإلتفات والتركيز على هذا البُعد في شخصية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يحصننا من الانجراف نحو الفتن والانخداع ببعض الأصوات الضالة الزائفة التي ترتفع بين الفينة والاُخرى النابعة من الجهل المركب المدعية جواز التعبّد بكل الآراء والاتجاهات . فمتى كانت تلك الاجتهادات حجة ؟!!! ومتى كان أربابها حججاً من الله على عباده ؟!!! ومتى جعل النبي (ص) أرباب تلك الاتجاهات عِدلاً للقرآن ؟!!! ومتى أوصى الاُمة بالتمسك بهم ؟!!! ولو كان اتباعهم مجزياً فلمَ خصّ النبي(صلى الله عليه واله) بذلك أهل بيته دون سواهم ؟!!!

ما لنا إلّا أن نبتهل إلى الله ونطلب منه الثبات ليكون إيماننا مستَقَرّاً لا مستَودَعاً (اللهمّ عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجّتك ضللتُ عن ديني).

إنّ هذه مسألة خطيرة جعلها القرآن مسألة مصيرية لنا ((يوم ندعو كلَّ اُناس بإمامهم)) وحذّرنا من مغبّة التقصير فيها ((ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً)) . فلقد ضاعت الاُمّة وتفرقت بها السُبُل في القرون السالفة المتمادية نتيجة تغافلها عن هذا الركن الركين من مسائل الدين وتقصيرها في فهمه . وقد حورب هذا الأصل محاربة ضارية ، قال الشهرستاني في الملل والنحل (ما سُلّ سيفٌ على قاعدة دينية كما سُلّ على الإمامة) وما ذلك إلّا لما للإمام من دور مفصلي في الهداية الى الصراط المستقيم وتصحيح مسيرة الاُمة في دنياها وآخرتها . ولئن كان السابقون ربما يشفع لهم عيشهم في عصور الجهل والظلم والاضطهاد واعتذروا بذلك فلا عذر لجيلنا الحاضر وهو يعيش عصر انتشار العلوم والمعرفة ومرونة وسائل نقل المعلومة وكشف الحقيقة ، ويعيش عصر الحرية في الفكر والعقيدة والانتماء . فعلى جلينا المعاصر وبالأخص شبابنا الأعزاء التمسك بهذا المحور ، أعني محور الإمامة فهو قطب الرحى ، وهو مربط الفرس ، وهو الطريق الآمن ومن سلكه فهو (متعلمٌ على سبيل نجاة) ومن تجاهله كان (من الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق).

ومن سعة رحمة الله بعباده و شدة رأفته بهم أن سهّل لهم الطريق لمعرفة الإمام بأن خصّه بالمعجزات كما خصّ الأنبياء بذلك لتماثل منصب النبوة والامامة في كونهما منصبين إلهيين لا يكونا إلّا بجعل من الله تعالى. وقد اتفقت كلمة أكابر علماء الاُمّة من الفريقين بالنقل المتواتر والمستفيض على ظهور الخوارق على يدي أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وإن حاول بعض المخالفين تسميتها بالكرامة تمييعاً لأهميتها وإفراغاً لها عن مضمونها وتجريداً لها عن هويتها وتحريفاً لهدفها وهو إثبات المنصب الإلهي لمن صدرت على يده .

وما نقترحه وسيلة لنشر فكر الإمام الصادق (عليه السلام) هو قيام مركز إعلامي يقوم بإنشاء علاقات ثقافية مع جامعات العالم المختلفة وتنظيم محاضرات فيها ودعوة الشخصيات الكفوأة إلى إلقاء محاضرات فيها لتعريفهم بتراث الإمام الصادق(عليه السلام) الجامع المتعدد الجوانب الشامل للعلوم المختلفة من المعارف الإلهية وتفسير القرآن والفقه والأحكام الشرعية العملية والأخلاق والحِكَم والمواعظ والآداب العامّة والحقوق وسائر مايمتّ إلى الهدى والدين بصلة . وهذا ما امتازت به مدرسة أهل بيت النبي(صلى الله عليه واله) عن سواها من المدارس ، فقد امتازت بالموسوعية والشمول لكل جوانب الحياة وتنظيم السلوك على مستوى الفرد والمجتمع .

هذا وفي الختام ما ينبغي التنبيه اليه هو يجب على المعنيين بتربية اجيال المسلمين من علماء وخطباء ومبلغين واساتذة ومثقفين ومؤسسات تربوية وثقافية واعلامية ان يعرّفوا الاجيال على معالم مدرسة ائمة اهل البيت (عليهم السلام) وفي مقدمتهم الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، لانهم اذا لم يتعرفوا على هذه الشخصيات العملاقه فكانهم لم يتعرفوا على الاسلام الاصيل ولم يفهموه فهما واقعيا لانهم هم القنوات الحقيقية التي تربطنا بنبع الاسلام ونبع القران مباشرة لقوله تعالى ((فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ))، وهم المجسدون للاسلام تجسيدا حقيقيا وواقعيا، ويرفدونا من منابعه النقية الصافية المرتبطة بالوحي عن طريق النبي (صلى الله عليه واله).

ووال أُناساً نقلهم وحديثهـــم           روى جـدنا عن جبرائيل عن الباري

ولهذا فاي محاولة لتجاهل هذه الرموز في ذهنية اجيال الامة واجيال المسلمين هي محاولة لطمس الاسلام نفسه، ومسخ هذه الاجيال، وهذا ما نراه اليوم يحصل من خلال مخططين خطيرين رهيبين :

المخطط الاول: تجهيل هذه الاجيال بالشخصيات الاصيلة والحقيقية والتعتيم على الشخصيات الرائدة في تاريخ الاسلام وتاريخ الرسالة، وهذ التعتيم والتجهيل انما هو محاولة لمسخ هذه الاجيال ومحاولة لاقتلاعها وفصلها عن المنابع الاسلامية الحقيقية.

المخطط الثاني: تطبيع هذه الاجيال على تقديس العناصر الدخيلة والمنافقة والمزيفة حتى احصى السيد العسكري في كتابه خمسون ومائة صحابي مختلق، والشيء الخطير في هذا العصر ان المؤسسات الاعلامية والثقافية والتربوية في بلاد المسلمين تحاول ان تربي اجيال المسلمين على تقديس هذه الذوات الوافدة من هنا وهناك، ورجال الشرق والغرب والمغنين والمغنيات والاقزام في تاريخ البشرية، بينما الشخصيات الحقيقية من اهل البيت (عليهم السلام) غائبة عن ذهنيات ووعي هذا الجيل، فترى الاعلام والصحافة والمناهج المدرسية ووسائل الاعلام المرئية والمسموعة لا تتعرض لائمة اهل البيت (عليهم السلام) واتباعهم، حتى لا يتربى الجيل على معرفة جهادهم وتضحياتهم من اجل الرسالة.

وهذا نهج ومخطط رهيب لمسخ شباب الامة واقصائها عن مسيرتها الحقيقة التي رسمها لها النبي (صلى الله عليه واله) والائمة (عليهم السلام) بقوله (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك) وقوله (مثل أهل بيتي في أمتي مثل النجوم كلما أفل نجم طلع نجم). وقول الامام الباقر (عليه السلام) لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة (شرقا وغربا لن تجدا علما صحيحا إلا شيئا يخرج من عندنا أهل البيت) وعنه (عليه السلام) (أما إنه ليس عند أحد علم ولاحق ولافتيا إلا شئ أخذ عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وعنا أهل البيت ، وما من قضاء يقضى به بحق وصواب إلا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعلمه من علي عليه السلام ومنا).

واننا من هذا المؤتمر نحمل المعنين من العلماء والخطباء والمبلغين والتربويين والادباء والمؤسسات الاسلامية والثقافية بكل فصائلها، مسؤولية تربية ابنائنا على خط اهل البيت (عليهم السلام) والتعرف على الشخصيات الرائدة والاصيلة في تاريخ الرسالة الاسلامية، وما انعقاد هذا المؤتمر الا لتعريف الامة بقمة من القمم الرائدة في الرسالة الاسلامية الا وهو الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الذي هو من اهل بيت اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وواحد من اولئك النجباء الاصفياء، وقائد من قادة الاسلام والرسالة والامة، ومن المعنين بقوله تعالى ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)) ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)).

آملين من المولى المتعال أن يأخذ بأيدينا للقيام بإحياء أمرهم وتعلّم محاسن كلامهم وتعليمها للناس ، فإن الناس لو علموا محاسن كلامهم لاتبعوهم كما قال مولانا الإمام الرضا (عليه السلام).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

اترك تعليق