||
ممثل المرجعية العليا في أوروبا يعزي العام الإسلامي بشهادة الامام الصادق ع

ممثل المرجعية العليا في أوروبا يعزي العام الإسلامي بشهادة الامام الصادق ع

1656
0
• الإمام الصادق (ع) قمة شامخة في العلوم الإسلامية والمعارف الإنسانية29072016_3
• الإمام الصادق(ع) أستاذ المذاهب الإسلامية
• تصدى الإمام الصادق (ع) للتيارات المنحرفة في عصره والمرجعية تتصدى لها اليوم أيضاً
• على الشباب الواعي أن يتسلح بسلاح العقيدة ليتصدى للأفكار المنحرفة التي تريد مسخ هويته الدينية

لمزيد من الصور اضغط هنا

23 شوال 1437هـ

جاء حديثه هذا في خطبة الجمعة بمسجد الإمام الصادق (ع) في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، بمناسبة ذكرى شهادة الإمام الصادق (ع) التي تصادف الخامس والعشرين من شوال، وابتداءً عزّى الحاضرين بهذه الفاجعة التي ألمت حين ألمت بالعالم الإسلامي أجمع؛ وذلك لما تملكه هذه الشخصية من مقام علمي شامخ تشهد له المجامع العلمية والشخصيات الفذة منذ عصرها وحتى اليوم، فهي التي تخرج عليها 4000 آلاف عالم حتى أوائل القرن الثالث، والتي يفتخر أرباب المذاهب الإسلامية والعلماء من العامة والخاصة بأنهم تتلمذوا على يديها.

وإن الحديث عنها له آفاق متعددة يحتاج إلى أكثر من حديث وأكثر من محاضرة، ولهذا نعقد للسنة السابعة ندوة عامة بهذه المناسبة، وستنعقد غداً بهذا المكان بمشاركة العلماء والأساتذة والمفكرين وجمهور المؤمنين في كوبنهاغن، ويمتد وقتها من السادسة عصراً وحتى العاشرة مساء.

إلا أن حديثي في خطبة اليوم يتركز على التيارات التي طفحت على الساحة الإسلامية في عصر الإمام الصادق لمواجهة مدرسة أهل البيت (ع)، والتي جسد الإمام (ع) أطروحتها بشكل واضح وجلي؛ مما أذهل العقول وحير الألباب.

ولما كانت هذه المدرسة ذات معالم واضحة، وأفكار أصيلة منبثقة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ومن قلب الرسالة المحمدية، واجهتها تيارات منحرفة؛ لغرض التشويه والتشكيك بها وبالإسلام كله.. نظير ما نراه اليوم من مواقف الأدعياء لمحاربة المرجعية الدينية التي قامت بحماية الإسلام وحفظه من أولئك الذين أرادوا القضاء على الإسلام المحمدي ومقدساته باسم الإسلام وبشعار (الله أكبر)؛ فكان موقفها (المرجعية) موقفاً حازماً وجازماً، وبالعون الإلهي وسواعد القوات الأمينة والحريصة على حفظ العراق ومقدساته استطاعت أن تضع حداً لأولئك المدعين للإسلام كذباً وزوراً، كما استطاع الإمام الصادق (ع) من قبل أن يوقف ذلك المد المعادي للإسلام، والذي تمثل بموقف الزنادقة والغلاة والوضاعين والقياسيين وغيرهم.

أما التيار الأول -تيار الزنادقة- فتتلخص أطروحته في استهداف العقيدة وتشكيك المسلمين في عقائدهم وإيمانهم بالله وبالقرآن، وبرز لهذا التيار أقطاب، مثل: ابن أبي العوجاء، وأبي شاكر الديصاني، وعبد الملك البصري، وابن المقفع.. وقد تواجد هؤلاء في عصر الإمام (ع)، وأول ما كانوا يخططون له نسف القرآن بالتشكيك به، واجتمع هؤلاء الأربعة يوماً حول بيت الله في موسم الحج، وقرروا أن يتبنى كل واحد منهم نقض ربع القرآن وقالوا: إن استطعنا فعل ذلك كنّا قد أبطلنا رسالة محمد (ص) وهدمنا الإسلام، وحددوا لذلك عاماً كاملاً، ليعودوا بعده، ويجتمعوا في البيت الحرام، ويطرحوا حصيلة تفكيرهم في نقض القرآن. ومضى الحول، فعادوا واجتمعوا ثانية في نفس المكان؛ فبدأ ابن أبي العوجاء قائلاً لأصحابه: أما أنا فمنذ أن فارقتكم وإلى الآن أعيش مع آية من القرآن ما استطعت أن أستوعبها أو أنقضها وهي: ((فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا))، وانبرى الثاني وهو عبد الملك البصري قائلاً: أما أنا فقد حيرتني هذه الآية ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ))، وأما الثالث فقال: وأنا كذلك منذ عام أفكر بهذه الآية: ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)) وأما ابن المقفع فالتفت قائلا : يا إخواني منذ عام أعيش الحيرة بمعنى قوله: ((وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ))، وفي هذه الأثناء مر بهم الإمام الصادق (ع) وهم مجتمعون، فتلا عليهم هذه الآية: ((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)).

هذا نمط من تخطيطات الزنادقة في عصر الإمام الصادق (ع)، ولكن لما كان الإمام هو الحامي للشريعة والأمين عليها تصدى لهم بكل ضراوة وقوة، حسب ما تذكر كتب السيرة الحافلة بالمناظرات والمحاورات المطولة التي خاضها الإمام (ع) معهم، ولم يخرج في حديثه عن أدب الحوار معهم، حتى اهتدى الكثير منهم، ولم يكتف الإمام (ع) بنفسه، بل جنّد تلامذته لإبطال أفكارهم حتى لا تنتشر بين العامة من الناس.

والتيار الثاني: تيار الغلاة الذي بدأ يتنفس بعنف خصوصاً في زمن الإمام الصادق (ع) -وإن كانت بدايته من زمن الإمام أمير المؤمنين (ع)- بوضع أحاديث تخرج الأئمة عن مقامهم الطبيعي، فيضعونهم في صف الله عز وجل؛ فكفرهم الإمام الصادق (ع) وتبرأ منهم ولعنهم لعناً وبيلاً، وأمر أصحابه أن يتبرؤوا منهم وأن لا يجالسوهم ولا يواكلوهم ولا يصافحوهم؛ لأن هذا التيار تيار تحريفي لا يقل خطره عن التيار السابق. فشاء الله وبهداية الإمام (ع) ونصيحته لهم أن يهتدي بعضهم ويعودوا إلى الطريق المستقيم.

والتيار الثالث: تيار الوضاعين، وهذا التيار بدأ نشاطه منذ عصر النبي (ص)؛ بوضع الأحاديث عليه -حتى أنه (ص) لعن أولئك المفترين عليه-، ونشط هذا التيار في عصر معاوية بن أبي سفيان؛ فتارة ينسب الأحاديث الكاذبة إلى رسول الله (ص)؛ لدعم حكمه وتقوية سلطانه، وأخرى يضع الأحاديث ضد الصفوة من أهل البيت (ع) ورجالهم المخلصين، وبَذَل الأموال الطائلة من بيت المال لدعم هذا التوجه، ففي فرية واحدة دفع إلى سمرة بن جندب٤٠٠ ألف درهم. واستمر هذا التوجه إلى عقود متأخرة وحتى يومنا هذا. وقد أحصى الشيخ الأميني في موسوعته (الغدير) قائمة للموضوعات من الأحاديث فزادت على أربعين ألف حديث، وقد أحصى الشيخ أسد حيدر في كتابه (الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة) أكثر من ٤٠٠ حديث في باب الفضائل والمناقب نسبت لأهل البيت (ع) كذباً وزوراً، ونشط هذا التيار في زمن الإمام الصادق (ع) في وضع الأحاديث المكذوبة على الأئمة(ع)، فتصدى له الإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع)، وحاربوا أقطابه، وحذروا أصحابهم من التعامل معه، وكذبوا الأحاديث التي وضعوها ونسبوها إلى أهل البيت (ع)؛ مما أوقفهم عند حدهم وشل حركتهم.

والتيار الرابع: تيار القياس، والذي يتلخص في جوهره وحقيقته بتحريف للمصادر التشريعية للإسلام، وقد تبنى هذا التيار الإمام أبو حنيفة، غير أن مدرسة أهل البيت (ع) رأت أن هذا المنهج يشكل خطراً على الإسلام وعلى الشريعة نفسها، وهو لا يقل خطرا عما سبقه من الاتجاهات؛ فتصدى إليه الإمام (ع) بكل قوة عبر محاورات ومناظرات دارت بينه وبين أبي حنيفة. وللتدليل نذكر طرفاً مما ذكرته كتب السيرة من محاورة دارت بينه (ع) وأبي حنيفة يوم دخل عليه، فالتفت إليه الإمام قائلاً: من الرجل؟ فقال: أبو حنيفة، فقال له الإمام (ع): أنت مفتي العراق؟ فقال: نعم، فقال له (ع): بم تفتيهم؟ قال: بكتاب الله، فقال له الإمام (ع): فأنت عالم بكتاب الله: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وعامه وخاصه؟ قال: نعم، فسأله الإمام (ع) عن مجموعة آيات قرآنية فظل حائراً لا يعرف جوابها ومعناها، بل لم يستوعبها، فتراجع وقال: ليس لي علم بكتاب الله، إنما أنا صاحب قياس، فبدأ الإمام (ع) بطرح أسئلته بهذا الاتجاه قائلاً له: أيهما أعظم عند الله القتل أم الزنا؟ فقال: القتل أعظم، فقال الإمام (ع): لماذا رضي الله في القتل بشهادة شاهدين ولم يرض في الزنا إلا بأربعة شهود؟ إذن أين قياسك من هذا الحكم؟ فقال: لا أعلم، ثم قال له الإمام (ع): أيهما أكبر وأيهما أفضل الصلاة أم الصيام؟ فقال :الصلاة، فقال (ع):إذن لم تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قال: لا أعلم، فقال (ع) : أين قياسك؟ قال: لا أعلم، قال (ع): أيهما أقذر البول أم المني ؟ قال: البول، فقال الإمام (ع): يفترض أن يغتسل من البول ولا يغتسل من المني، قال: سيدي، لا أعلم، أنا لست صاحب قياس، وإنما أنا صاحب رأي، فقال له الإمام (ع): إن كنت كذلك فما تقول في هذه المسألة (لاحظوا كيف يلاحقه الإمام (ع) في هذه الاتجاهات): لو أن رجلاً كان له عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة، ودخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة، وأقامتا في بيت واحد، ثم سافر السيد وعبده، وترك الزوجتين في ذلك البيت، فولدت الزوجتان في ذلك البيت، فسقط البيت عليهما، فقتل المرأتين، وبقي الغلامان، فأيهما الوارث وأيهما الموروث؟ وأيهما المالك وأيهما المملوك؟ فإن كنت يا أبا حنيفة صاحب رأي فبين لي جواب هذه المسألة، فقال: لا أعلم، أنا لست صاحب رأي، وإنما أنا صاحب حدود، فقال له الإمام (ع): إن كنت صاحب حدود فما تقول في هذه المسألة: لو أن رجلا أعمى فقأ عين بصير، ولو أن أقطع قطع يد رجل صحيح، فكيف يقام عليه الحد إن كنت صاحب حدود؟ قال: لا أدري، فتنازل وقال: إنما أنا صاحب معرفة بمباعث الأنبياء (أي أعرف تاريخ الأنبياء)، فقال له (ع): ما تقول في نبي الله موسى لما بعث الله موسى وهارون إلى فرعون، وقال: ((لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ))؟ الإمام يقول له: و(لعل) منك شكٌ، قال: نعم، قال: فهل إذا صدرت من الله عز جل تدل على الشك؟ فقال: لا أدري، وعندئذٍ نصحه الإمام وحذره مخافة رب العالمين من التجرؤ على أحكام الله بحكم القياس أو وقائع الأنبياء والمسائل الأخرى بدون علم ومعرفة، قائلاً له: يا أبا حنيفة اتق الله إن الشريعة إذا قيست محق الدين، وإن أول من قاس الدين برأيه إبليس قال: ((أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)). فاعترف الرجل بعدم علمه بكثير من المواقف، وبعدها صار يتردد على الإمام الصادق، وينتهل من علومه ومعارفه، واشتهرت مقالته: لولا السنتان لهلك النعمان.

إذن فمنهج القياس منهج خطير، يمحق الشريعةَ من عمل به ويحرفها؛ لأن الأحكام الإلهية ليست خاضعة للمزاج أو الذوق أو القياس أو الاستحسان أو غيره من الأمور؛ بل هي أحكام توقيفية، ولا يستطيع حتى النبي (ص) أن يشرع حكماً من تلقاء نفسه، قال تعالى: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)). والخلاصة أن الإمام الصادق وقف من هذه التيارات موقفاً حازماً، وواجهها بكل قوة وحزم حرصاً على سلامة الشريعة وأحكامها ومصادرها.

هذا، وإنما تطرقنا لهذا الموضوع لا لنلقي نظرة تاريخية على هذه القضايا، أو نذكر موقفاً من مواقف الأئمة، وإنما نريد تحويل المواقف التاريخية إلى مواقف حية في حياتنا، نستفيد منها الدرس العملي، ألا وهو ضرورة التصدي لكل تيار منحرف عن جادة الشريعة –في أي زمن من الأزمنة كان-؛ لأن هناك أفكاراً وطروحاتٍ تواجه الساحة مما فيه خطر على الدين والعقيدة؛ فمسؤوليتنا اليوم يا مؤمنون أن نتصدى لها، ونجند أنفسنا ونغذي شبابنا لمواجهة هذه الأفكار الدخيلة، وإلا فالانتماء لجعفر الصادق (ع) وحده لا يكفي ما لم يكن هناك موقف عملي، لكن بشرط أن نلتزم بأدب القرآن في الجدال والحوار؛ حيث يقول: ((ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))؛ فإن الإمام الصادق (ع) كان في حواره مع من خالفه في الرأي لا ينكر عليه رأيه وفكره ووجهة نظره، بل يستقبله برحابة صدر وانفتاح، ويتحاور معه من حيث نقطة الالتقاء حتى ينتهي إلى هدايته.. فما أحرانا اليوم بالالتزام بهذا الأدب وهذا الخلق الرباني الذي ورثه الأئمة من جدهم الكريم، الذي امتدحه تعالى بقوله: ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)).

اترك تعليق

||