ممثل المرجعية العليا في أوروبا يعزي العالم الاسلامي بشهادة سادس أئمة المسلمين الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام

0
113

عزا ممثل المرجعية العليا في أوروبا العالم الإسلامي بذكرى استشهاد الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وذلك في كلمة له عبر الأثير هذا نصها  :

أطلت علينا الذكرى السنوية لشهادة الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام والتي كنا نقيم فيها مؤتمرا سنويا في عاصمة من العواصم الاوروبية ، الا ان هذا العام لم يتسنى لنا ذلك بسبب الجائحة التي المّت بالعالم، فارتأينا أن يقام المؤتمر العاشر عبر الأثير وذلك لما لهذه المناسبة من أهمية، لأن الإمام الصادق عليه السلام هو إمام الفقهاء وأستاذ العلماء والذي هو ووالده محمد بن علي الباقر عليه السلام أنشأ جامعة اهل البيت عليهم السلام في المدينة المنورة، لنشر مختلف العلوم الإسلامية والطبيعية والإنسانية، حتى تخرج منها العلماء والفقهاء والمتكلمين والفلاسفة وعلماء الطبيعية وغيرهم ممن دون المؤرخون والمحدثون أسماؤهم في كتب الحديث والتاريخ، وأسس عليه السلام من خلال هذه الجامعة منهجا جديدا في تفنيد ودحض الشبهات والأفكار المخالفة للفكر الإسلامي، بحوار هادف ونقد بناء متسما بروح المحبة والانفتاح على القريب والبعيد كسيرة آبائه وأجداده عليهم السلام، فجلب بأسلوبه هذا بطريقته المثلى الكثير من المخالفين له بالرأي بالانضمام والانتماء الى مدرسته.

ولمعرفة هذا المنهج الذي أسسه الإمام عليه السلام نحتاج إلى متخصصين يوضحون لنا معالمه ودقائقه و غوامضه، لأن علماء الشريعة مهما يملكون من قابليات علمية قد لا يستطيعون تقرير هذه العلوم الطبيعية والانسانية
ولهذا فنحن بحاجة الى مثل هذه الاختصاصات ليقدموها بصيغة اكاديمية ملائمة لطلاب العلوم حتى يستأنسوا بها.

ولنقف الآن على بعض جوانب حياته العلمية عليه السلام بالتوضيح التالي:

1- الإمام الصادق عليه السلام هو اول من وضع نظام التخصص قبل ان تقوم به الجامعات اليوم، وجعل لكل من هذه العلوم تلامذة متخصصين فيها : ففي علوم الفقه والاصول والحديث وغيرها زرارة بن اعين وأبا بصير ومحمد بن مسلم وغيرهم ، وفي اللغة أبان بن تغلب ، وفي القرآن حمران بن أعين وغيره ، وفي علم الفلسفة وعلم الكلام والامامة والتوحيد والمناظرة هشام بن الحكم وهشام بن مسلم ومؤمن الطاق ومحمد المهيار. وفي الحكمة ، وأسرار الكون والوجود ، واسرار الإنسان المفضل بن عمر، وفي الكيمياء والفيزياء جابر ابن حيان الذي تُرجمت كتبه في الغرب الى مختلف اللغات حتى قالوا : إن نسبة علم الكيمياء لجابر عند العلماء ، كنسبة علم المنطق لأرسطو طاليس. إلى غير ذلك من طلاب هذه المدرسة التي لا يسعنا ذكرهم في هذا الموجز.

2- الإمام الصادق عليه السلام صاحب منهج علمي تجريبي في مناقشة الأفكار ومعالجتها ، وقد ربى تلاميذه على مناقشة أرباب المذاهب والتيارات والنظريات ، وهذا مما ينبغي تجليته من خلال أصحاب الاختصاص ، لإثبات أن الإمام الصادق عليه السلام وليس علماء الغرب ، هو الذي أصّلَ هذا المنهج العلمي التجريبي .

3- الإمام الصادق عليه السلام هو أستاذ أئمة المذاهب الاسلامية ، فقد تتلمذوا على يديه ، خصوصا أبو حنيفة ومالك وابن جُرَيج ويحيى بن سعيد وسفيان الثوري وابن عيينة وشعبة ، وغيرهم من أقطاب العلم آنذاك .. وأما الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل ، فقد تتلمذا على يدي تلامذة الإمام الصادق عليه السلام ، فكان الإمام الصادق عليه السلام هو أستاذهما بالواسطة .

4- اشتملت مدرسة الامام عليه السلام على مختلف العلوم الإسلامية والإنسانية ، فاهتمّت بالقرآن والسنة والفقه واللغة ، والتاريخ والاُصول والعقيدة والكلام والفلسفة الإسلامية ، كما اهتمّت بعلوم اُخرى مثل علم الفلك ، والطبّ ، والحيوان ، والنبات ، والكيمياء ، والفيزياء ، وغيرها .

5- تميزت بمنهجها السليم وعمقها الفكري ، فلم تعتمد على حشو الذهن ، وإنّما على البرهان العلمي الأصيل، كأساس للمنهج العلمي ، وبذلك قامت بتنمية كفاءات علمية ، وقامات فكرية ، وأنتجت للأمة رموزاً للعطاء العلمي بما أبدعته في مختلف تخصّصاتها العلمية ، وقدوة للاستقامة بما حققته من إنجازات على صعيد الدعوة والاصلاح ، وأصبح الانتساب الى مدرسة الإمام عليه السلام مفخرة للمنتسب ، حتى جاوز عدد طلاّبها العشرة آلاف ، عدّ الشيخ المفيد الثقات منهم أربعة آلاف طالب .

6- لقد حرصت مدرسة الإمام الصادق عليه السلام على تدوين الحديث والحفاظ على السنة ، بعد أن تعرّضت في وقت سابق للضياع والتحريف والتوظيف السياسي المنحرف ، بسبب المنع من التدوين . ولم يستجب الأئمّة المعصومون عليهم السلام لقرار المنع بالرغم من كل الشعارات التي رفعت لحظر تدوين الحديث بدعوى الحفاظ على القرآن وسلامته من التحريف بينما كان الهدف الحقيقي من ذلك المنع هو تغييب السنة التي أكّدت على ربط الاُمّة بأهل البيت عليهم السلام. فاستهدف حكّام الجور بذلك صرف الناس عن أهل البيت عليهم السلام ، حتى يسهل انقيادهم وراء كلّ ناعق .
يقول الإمام الصادق عليه السلام (أما والله إنّ عندنا ما لا نحتاج الى أحد والناس يحتاجون إلينا . إن عندنا الكتاب بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطّ عليٌّ عليه السلام ، و عندنا صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها كل حلال وحرام). وجاء عنه عليه السلام أنه قال (علمنا غابر، ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع وإن عندنا الجفر الاحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة عليها السلام وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه).
وكان يأمر طلاّبه بضرورة التدوين والكتابة ، قال عليه السلام : (احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها). كما أشاد بنشاط زرارة الحديثي ، فقال (رحم الله زرارة بن أعيَن ، لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي).
وقال فيه وفي جماعة من أصحابه منهم أبو بصير، ومحمد بن مسلم، وبريد العجلي (لولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا الفقه، هؤلاء حفّاظ الدين واُمناء أبي عليه السلام على حلاله وحرامه وهم السابقون الينا في الدنيا والآخرة).
كما كان يؤكد عليه السلام على تلامذته بالتدارس والمباحثة، قال للمفضّل بن عمر (اكتب وبث علمك في إخوانك ، فإنْ متّ فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لايأنسون فيه إلاّ بكتبهم).
وعلى هذا اهتمّ أصحابه بكتابة الأحاديث وتدوينها حتى تألّفت واجتمعت الاُصول الاربعمائة المعروفة ، والتي شكّلت المجاميع الحديثية الاولى عند الشيعة الإمامية .

ومن خلال هذا العرض الموجز تتجلى لنا غزارة علم الإمام الصادق عليه السلام وإحاطته بمختلف العلوم والمعارف التي لم يكن الكثير منها آنذاك معروفاً أو متداولاً ، فعلى الشباب المنبهر بما وصل إليه الغرب أن يعلم ، أن مرجع ذلك هو تراث الأئمة عليهم السلام ، الذي سبقهم بثلاثة عشر قرنا الى كثير من النظريات العلمية التي بنوا عليها حضارتهم ، كالدورة الدموية وتشريح جسم الإنسان وغير ذلك من الأمور التي بيّنها الإمام عليه السلام بدقة للمفضل بن عمر وغيره .

والخلاصة اننا اذا اردنا العلم والمعرفة ، فعلينا أن نرجع الى منابعه النقية الصافية وهم محمد وال محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهم هم المجسدون الحقيقيون للاسلام حقا وواقعا .
ووال أُناساً نقلهم وحديثهم            روى جدنا عن جبرائيل عن الباري

وإن البعد عن هذا الفكر الاصيل وهذه المدرسة ، يُعد كارثة فكرية و علمية وعقائدية لنا ولأجيالنا، و يعد انحرافا عن نهج الإسلام والقرآن، لأن ما ينقله الائمة عليهم السلام أساسه ومصدره الوحي ، واليه اشار الامام الصادق عليه السلام بقوله (لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكنا نفتيهم بآثار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصول علم عندنا ، نتوارثها كابرا عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم و فضتهم). لهذا فعلينا الحذر مما يسعى إليه أعداء الإسلام ، لطمسه الدين ومسخ أجيال الأمة ، من خلال مخططين خطيرين رهيبين :

المخطط الاول: تجهيل هذه الأجيال عن المعرفة بالرموز الأصيلة والرائدة في تاريخ الإسلام وتاريخ الرسالة، وذلك لغرض اقتلاع هذه الأجيال وفصلها عن المنابع الإسلامية الحقيقية .

المخطط الثاني: تنشئة هذه الأجيال على تقديس عناصر دخيلة على الإسلام الحقيقي ومزيفة ، حتى أحصى السيد مرتضى العسكري في كتابه خمسون ومائة صحابي مختلق .

ومن الخطر بمكان أن المؤسسات الاعلامية والثقافية والتربوية في بلاد المسلمين اليوم تحاول أن تربي أجيال المسلمين على تعظيم أشخاص وافدة من هنا وهناك ، وحتى المغنيين والمغنيات وغيرهم من الأقزام في تاريخ البشرية.
بينما الشخصيات الحقيقية من أهل البيت عليهم السلام وما قدمته من جهاد وتضحية من أجل نهضة البشرية، غائبة عن ذهن ووعي هذه الامة، لان هذا النهج يسعى لإقصاء شباب الامة عن مسيرتها الحقيقة التي رسمها لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام بقوله (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك) وقوله (مثل أهل بيتي في أمتي مثل النجوم كلما أفل نجم طلع نجم). وقول الإمام الباقر عليه السلام لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة (شرقا وغربا لن تجدا علما صحيحا إلا شيئا يخرج من عندنا أهل البيت) وعنه عليه السلام (أما إنه ليس عند أحد علم ولا حق ولا فتيا إلا شئ أخذ عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وعنا أهل البيت ، وما من قضاء يقضى به بحق وصواب إلا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعلمه من علي عليه السلام ومنا).
واننا من خلال هذا اللقاء الاثيري ، نهيب بالمعنين من العلماء والخطباء والمبلغين والتربويين و الأدباء ، والعاملين بالمؤسسات الاسلامية والثقافية ، أن يقوموا بتعريف أبناء وبنات الأمة بقمة من القمم الرائدة في تاريخ الرسالة الاسلامية ، ألا وهو الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام الذي هو من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وواحد من أولئك النجباء الأصفياء ، الذين عناهم الله بقوله ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)) ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)).

آملين من المولى المتعال أن يأخذ بأيدينا للقيام بإحياء أمرهم وتعلّم محاسن كلامهم وتعليمها للناس ، فإن الناس لو علموا محاسن كلامهم لاتبعوهم كما قال مولانا الإمام الرضا عليه السلام.

وأخيرا لا آخرا، نسال الله ان يوفقنا الله لإحياء مثل هذه الذكريات التي أحوج ما تكون الامة لها في مثل هذا العصر، كما نسأله تعالى ان يدفع هذا الوباء عن الجميع بمحمد وال محمد.
والحمد لله رب العالمين .

اترك تعليق